عبد الفتاح عبد المقصود
87
في نور محمد فاطمه الزهراء
أَفَكان ينعم إذ يطالع في محيّاها سماحة محمد أبيها صفيّ روحه وقلبه ، ومربّيه وراعيه ، ذلك الذي كفله ليخفّف بعض عبء العيش عن كاهل أبي طالب أبيه ؟ أم كان يراها أمنيةً عزيزةً شهيّةً ، حقّقها له القدر ، بعد أن طالما تاقت نفسه ، وصبا وجدانه ، وحنّت روحه إلى من يبدّد عنه ضباب وحدته ويؤنس وحشته ، ويملأ عليه ما يحسّه من فراغ الطفولة ؟ أم لعلّه اجتذبه إلى الوافدة الجديدة أن قد تبيّن فيها شيئاً من أُمه الغالية « فاطمة » بنت أسد ، إذ تشاركتا في الاسم وإن تباينتا في الرسم . أيّاً ما كان ذلك النضج المبكر الذي دلّت ليه قسمات « علي » من خلال جبهة عريضة مشرقة ، وعينين تومضان بالذكاء ، وملامح قوية بارزة ، وطلعة مضيئة مهيبة ، فإنّ براعة الطفولة كانت حريّة بأن تسفر عن خباياها فيما يخالجه من مشاعر أمثاله الصغار . وكيف لا وإنّه يومئذٍ لم يكن قد سار بعد على درب حياته سوى خطوات قصيرات : بضع سنوات ؟ أغريب أن يحنّ منذ دخل هذا الدار ، إلى أنيس لعب ، أو أنيسة ، حتّى لقد غدا حنينه هذا مطمع نظره ، ومهوى فؤاده ، وحلم لياليه ؟ أَو ليس أولى به ، وهو المشغوف بأُمه - التي فارقها فراق ضرورة والتزام أقرب شيءٍ إلى الرغبة والطواعية - أن يخال من فرط ولعه بها وشوق لقربها أنّه يراها دائماً في كلّ سمت حلو ، ويسمعها في كلّ صوت جميل ؟ لَكَم كان يشيم « 1 » في فضائل ابن عمه وسجاياه أُمثولة بطولةٍ لم ير مثلها في من عرفهم من كبار ، أو بلغته من سيرهم شذور « 2 » ، حتّى لأعظمه كلّ الإعظام ، وأحبّه حبّاً ليس مثله حبّ ، جعله يحسّ بأنّه - بكل طاقات شعوره - يفنى فيه . فإذا كان - بمستقرّه هذا - قد وجد في محمدٍ أكرم أبوّة ، وفي خديجة أحنى
--> ( 1 ) . يشيم : يتطلّع . ( 2 ) . الشُذُور : القطع .